محمد حسين علي الصغير
47
الصوت اللغوى في القرآن
لقد كان بامكان الخليل التصريح بأن هذه الألف من حروف الزيادة ، ولكنه لم يفعل ، بل أراد وهو معيب بهذه الإرادة ، أنها وسيلة لإخراج الصوت ، فكأن أي صوت لا يمكن للمعرب أن ينطقه ، ولا أن يأخذ الصوت مادته وصفته إلا بعد اعتماده على صوت الألف الأولى قبله ، ومن أجل ذلك دعاها عمادا أو سلّما ، كما أشار إلى أن إخراج الصوت ، وهو ساكن بصفته : محتاج إلى وسيلة إخراجه ، لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف ، وكانت هذه الوسيلة هي ألف الوصل « 1 » . والخليل يراعي هذا التمازج الصوتي في اللغة فيحكم أن الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف . حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به الكلمة ، وحرف يوقف عليه ، فهذه ثلاثة أحرف ، فإن صيرت الثنائي مثل : قد ، هل لو ، اسما أدخلت عليه التشديد فقلت : هذه لوّ مكتوبة ، وهذه قدّ حسنة الكتبة ، زدت واوا على واو ، ودالا على دال ، ثم أدغمت وشدّدت . فالتشديد علامة الإدغام ، والحرف الثّالث « 2 » . إن هذا الاهتمام السليم في ربط اللغة بالصوت ، واعتبار الصوت امتدادا للبنية التركيبة ، وأصلا للأفكار المنظورة في اللغة ، هو الذي توصل إليه بعد قرون عدة الأستاذ اللغوي فرديناند دي سوسور في أن اللغة فكرة منظمة مقرونة بالصوت من خلال تأمل عنصرين يشتركان في تأدية اللغة لوظيفتها ، وهما : الأفكار والأصوات من خلال الربط بينهما كما صنع الخليل . يقول دي سوسور : « إن المادة الصوتية ليست أكثر ثبوتا ، ولا أشد تحديدا من الفكر : وهي ليست قالبا يصب فيه الفكر بالضرورة ، بل هي مادة مرنة تنقسم في كل حالة إلى أجزاء متميزة لتوفر الدوال Significes التي يحتاج إليها الفكر . وبذلك يمكن أن نتصور الحقيقة اللغوية في مجملها على أنها سلسلة من التقسيمات المتجاورة التي حددت على مستويين : المستوى غير المحدد للأفكار المكدسة ، ومستوى الأصوات .
--> ( 1 ) ظ : مقدمة التحقيق لكتاب العين : 1 / 11 . ( 2 ) ظ : الخليل ، العين : 1 / 49 - 50 .